ابن قيم الجوزية
320
الروح
قال اللّه تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ « 1 » وقال : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ « 2 » وقال وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ « 3 » وقال تعالى : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ . مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ . وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ . وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ . وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ « 4 » فهذا استعاذة من شر النفس وقال : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ . مَلِكِ النَّاسِ . إِلهِ النَّاسِ . مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ . الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ . مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ « 5 » فهذا استعاذة من قرينها وصاحبها وبئس القرين والصاحب ، فأمر اللّه سبحانه نبيه وأتباعه بالاستعاذة بربوبيته التامة الكاملة من هذين الخلقين العظيم شأنهما في الشر والفساد ؛ والقلب بين هذه العدوين لا يزال شرهما يطرقه وينتابه وأول ما يدب فيه السقم من النفس الأمّارة من الشهوة وما يتبعها من الحرب والحرص والطلب والغضب ويتبعه من الكبر والحسد والظلم والتسلط فيعلم الطبيب الغاش الخائن بمرضه فيعوده ويصف له أنواع السموم والمؤذيات . يخيل إليه بسحره أن شفاءه فيها . يتفق ضعف القلب بالمرض وقوة النفس الأمّارة والشيطان وتتابع إعدادها وأنه فقد حاضر ولذة عاجلة والداعي إليه يدعو من كل ناحية والهوى ينفذ والشهوة تهون والنفس بالأكثر والتشبه بهم والرضا بأن يصيبه ما أصابهم فكيف يستجيب مع هذه القواطع وأضعافها لداعي الإيمان ومنادي الجنة إلا من أمده اللّه بإمداد التوفيق وأيده برحمته وتولى حفظه وحمايته ، فتح بصيرة قلبه فرأى سرعة انقطاع الدنيا وزوالها وتقلبها بأهلها وفعلها بهم وإنهاء الحياة الدائمة كغمس إصبع في البحر بالنسبة إليه . فصل [ الفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق ] والفرق بين خشوع الإيمان وخشوع النفاق أن خشوع الإيمان هو خشوع القلب للّه بالتعظيم والإجلال والوقار والمهابة والحياء فينكسر القلب للّه كسرة ملتئمة
--> ( 1 ) سورة النحل ، الآية 246 . ( 2 ) سورة الأعراف ، الآية 200 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، الآية 97 و 98 . ( 4 ) سورة الفلق . ( 5 ) سورة الناس .